السيد كمال الحيدري

26

معرفة الله

ولا ريب في حصول اللذّات الظاهرية لكلّ إنسان ما لم يكن فاقداً لتلك الحواسّ وأمّا اللذّات الباطنية فإنّ دائرة الذين يحصلون عليها أضيق من دائرة الحصول على اللذّات الحسّية . فالأطفال الذين لم تكتمل قواهم الباطنية ، والمرضى الذين ماتت معظم قواهم ، وضعاف الهمّة وميّتو القلب لا ينالون هذه اللذّات . وأمّا اللذّات العقلية فدائرة الحصول عليها أضيق بكثير ، بل هي محدودة جدّاً رغم انفتاحها على الجميع . ومن الواضح أنّ هنالك كثيراً ممّن يُؤثر اللذّات الظاهرية على الباطنية فضلًا عن العقلية ؛ لقصور فيه ، فيرضى بإشباع بطنه في قبال ذُلّ يناله ، ويطلب السلامة في قبال ضياع الكرامة . وربما يفعل بعضهم ذلك لأنّه لا يعرف تلك المعاني الكريمة إمّا للأسباب المتقدّمة أو للاضطرار . من هنا يتّضح لدينا أسباب اقتصار دائرة المتوفّرين والحاصلين على المعارف الإلهية على عدد محدود جدّاً ؛ إمّا لجهل بحقيقة هذه المعارف السامية كما هو حال الأعمّ الأغلب أو لشدّة الارتباط والاشتغال بالأمور المادّية بحيث لا تُعطي مُتّسعاً للالتفات والارتباط بعالم المعنى . ولا شكّ أنّ الحاصل على اللذّات الباطنية سوف تضعف في نفسه درجة ومرتبة اللذّات الظاهرية عندما يُقايسهما معاً ، وهكذا في الحاصل على اللذّات العقلية فإنّه سوف تضعف عنده اللذّات الباطنية فضلًا عن الظاهرية عندما يقايسهما باللذّة العقلية . وعليه فلا غضاضة على من خلّف تلك اللذّات القاصرة وراء ظهره وانغمس في بحار المعارف الإلهية يتلمّس ببصيرته الثاقبة أنوار الملكوت